أعمدة الرأي

الدولة المسرحية

هو مفهوم سياسي أطلقه الأنثروبولوجي الأمريكي الراحل كليفورد غيرتز في مؤلفه الصادر عام 1980 حول الأساليب السياسية التي كانت متبعة في التنظيم الاجتماعي في نيغارا ببالي في القرن التاسع عشر أي قبل الاحتلال الهولندي عام 1906 ، استطاع غيرتز من خلال تطبيق منهجه على نطاق واسع في التوصّل إلى تفسير ثقافي للطقوس والأساطير والشعائر والرموز التي كانت تسيّر الدولة قبل الاستعمار ، ووجد من خلال ذلك أن مفهومه هذا يمكنه أن يتحدى فكرة إمكانية تحليل مجتمعات ما قبل الاستعمار وفقا للمفاهيم السياسية الغربية التقليدية من أنها كانت ترزح تحت حكم الفرد المطلق ، ” نيغارا ” تعني البلد أو مقعد السلطة السياسية في الأندونيسية ، لكن غيرتز وجد أنها تمثّل ” دولة المسرح ” فقد أثبت أن الدولة البالية كانت تتحكم فيها الطقوس والرموز وليست القوة ، فلم تكن تمارس استبدادا أو قهرا أو إدارة فعالة ، وهذه المراسيم والمشاهد أنتجت دولة دون أن تكون وسيلة لتحقيق أهداف وغايات سياسية ، لقد كانوا يفنون أنفسهم في حقيقة الأمر كانوا يقومون بما يفترض أن تكون وتوجد الدولة من أجله ، فلم تكن للسلطة مضخة تعمل على تحقيق رفاهية الشعب .

بعد هذه المقدمة القصيرة جدا حول فكرة الكتاب الرائع للأنثروبولوجي الأمريكي أو كما كان يحب أن يطلق عليه بالإصلاحي الثقافي كليفورد غيرتز ، يمكننا القول أن مفهومه الأنثروبولوجي السياسي الذي أطلق عليه (الدولة المسرحية) يعني به الدولة الطقوسية أي التي تعتمد على الأداء المسرحي الشكلي دون أن تكون وسيلة لتحقيق الغايات والأهداف المتعارف عليها والتي قامت من أجلها ، ونجد هذا النموذج حاضرا معنا في بلادنا اليوم ، بين طقوسية ورمزية شرعية السلطة وبين حقيقة إنجازاتها ، ففي الجزائر هناك أكثر من هيئة لمكافحة الفساد احتراما للقوانين الدولية الملزمة لها بالشفافية وإنشاء أطر قانونية لتحد من ظاهرة الفساد ، الأمر كطقس مسرحي شكلي تم إنشاءه لكن هل زال الفساد .. هل حقق غايته ؟ ! ، في الجزائر محاكم وقوانين تعزز من استقلالية السلطة القضائية .. فهل هناك عدالة حقيقية نزيهة مستقلة عن ضغط النافذين والفاسدين ؟ ! .. نمتلك برلمانا يمثل السلطة التشريعية ويشرع له القانون الرقابة على أعمال الحكومة كما سائر الدول .. فالهيكل الطقوسي موجود لكن هل الغاية متحققة ؟ ! .. وقس على ذلك بالنسبة لبقية القطاعات .. ففي الجزائر مدارس وجامعات بلا تعليم ومستشفيات بلا صحة وانتخابات بلا ديمقراطية وصحافة بلا حرية وتعددية سياسية حزبية في ظل حزب واحد وهيئات مدنية بلا مجتمع !!

مرت علينا قبل أسبوع ذكرى مجيدة وهي الثورة التحريرية والتي تحمل معنى مقدسا عند الشعب الجزائري ، الذي ثار آباؤه وأجداده على المستدمر الفرنسي ردّا لكرامتهم وحريتهم وسيادتهم على أرضهم ، ولقد حرص العدو الفرنسي أكثر ما حرص قبل خروجه على أن يسلم السلطة لأيد أمينة له ، وكثيرا ما كان يتم استغفال الشعب الجزائري آنذاك بفزّاعة الاستعمار الذي اجتمعت على كراهيته وعداوته كل أطياف الشعب باختلافها ، كان مجرد ذكر كلمة الاستعمار في خطاب سياسي عاطفي يلهب القلوب ولكن لم يكن يدر الكثير كما ذكر ذلك المفكر مالك بن نبي (رحمه الله) أنه كان استغلالا يخدم الاستعمار أكثر مما يضرّه لتثبيطهم وصرف عزائمهم أو تضليل رأيهم السياسي ، وهو اليوم يزيد من الولاء الشعبي لمن تركهم أوصياء على الانتداب بعده ، ولا يزال ذلك الخطاب السياسي الرديء قائما إلى اليوم في استغلال احترام الجزائريين لثورة التحرير لكي يتم توظيف هذه العواطف توظيفا سياسيا يخدم بقاء الاستبداد السياسي باسم الشرعية الثورية ، إنها كذلك صورة من صور الطقوسية السياسية في الدولة المسرحية عندنا هنا ! ، فوصف الاستعمار بأشنع الأوصاف في الخطاب التاريخي التقليدي ثم إعطاءه نصيب الأسد من خيرات البلاد أداء سياسي مسرحي من طرف السلطة الجزائرية ، واستغلال الثورة التي هي ملك للشعب الجزائري في تثبيت أركان حكم من تجاوزهم التاريخ كذلك أداء مسرحي هزيل جدا .. سيفضي إلى كارثة أخلاقية لدى الأجيال الصاعدة تجاه تاريخ بلادها !

متعلقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى