أعمدة الرأي

المسجد والسلطة .. بين التحرير والتغيير !

 

مرت الجزائر بحرب أهلية في تسعينيات القرن الماضي كان أحد محركيها إقحام مقوم من مقومات الأمة في معركة سياسية قذرة ، وتحويله إلى أيديولوجيا سياسية وعقيدة حزبية ، بدل أن يكون منارة حضارية للأمة ودائرة تسع الجميع ، ولا شكّ أن المساجد لعبت دورا كبيرا في التحريض على الصدام ، واستغلت منابرها كبروباغوندا دينية مقدسة لحزب سياسي ، استشعرت السلطة حينها خطورة المسجد ودوره في حياة الأمة المسلمة ، فلم تزل إلى اليوم تحاول أن تكبله بالأغلال تقييدا لرساليته الحضارية ، وحرصا منها أن لا تكون المآذن منارات للتنوير الإسلامي والإنساني أمام استبداد يتغوّل في ظلام الجهل والفقر والمرض.

لم تكن هذه السياسات وليدة الأمس فـفرنسا الاستعمارية بدورها لم تتوان عن استهداف المسجد كقلب نابض في أمتنا ، من خلال سياساتها الاستدمارية في التعاطي مع بيوت الله بتحويلها إلى خزائن للسلاح وإسطبلات لخيولها ، استهدافا لروح هوية الشعب الجزائري الذي لم يكن غير الإسلام يوحّد أطيافه ومكوّناته التاريخية ، في المقابل كان الإسلام وقود الثورات المستمرة التي لم تكل ولم تملّ عن محاولة اجتثاث الوجود الفرنسي من الجزائر ، وكانت تنطلق من الزوايا والكتاتيب ويقودها رجال مصلحون عرفوا بمرجعيتهم الدينية ، ثم اهتدى الاستدمار بفضل عقوله التي كانت تعمل في حقل التراث الإسلامي إلى تهجين الإسلام وتقديمه في صورة دين أشبه بالمسيحية التي تأمرك بمنح خدك الأيمن إذا لُطمك أحد على الأيسر ، فكان من بين من عملوا بجدّ في هذا الخطّ لويس ماسينيون المستشرق الفرنسي ، الذي كان يرتدي الزي الأزهري في مصر ويتردد على دروس العلم هناك ، حاول ماسينيون من خلال نموذج الحلاج الصوفي المغرق في معاني المحبة و” السلبية ” تجاه الأخذ بأسباب الدنيا إلى إيجاد أوجه تقارب مع المسيحية التي تقدم رؤية مغرقة في الرهبانية والانعزال عن الحياة ، ويقدمه للأهالي الجزائريين على أن الإسلام لا يعارض ولا يحارب فرنسا بل هو متصالح ودود ، بريء عن كل أشكال ” العنف ” التي يبرر لها المتمردون عن فرنسا بالدين الإسلامي ، بالموازاة أذنت وموّلت فرنسا بناء أكبر مسجد في باريز استمالة للشعوب المسلمة التي كانت تذيقها ألوان العذاب ، وكان بن غبريط وهو من أصل جزائري أول إمام لمسجدها والذي راحت تقدمه البروباغوندا الاستعمارية على أنه نموذج للمسلم المتمسك بدينه والمتصالح مع المدنية والحداثة الفرنسية ، فكانت تصوره وهو يحضر حفلات العري والخمر ، وهو يصافح النساء العاريات في مناسبات متعددة ، لعلها بذلك تستبدل الإسلام الثوري الإصلاحي بإسلام هجين ممسوخ بروح المذلّة والوهن !!

تصدّى بعض المتفطّنين لهذا المخطط الخبيث لاسيما الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (رحمه الله) إلى درجة أن قال ماسينيون عنه مرة : ” إنني أكره هذا الرجل ! ” ، وكذا المفكر الراحل مالك بن نبي الذي كان يهدم أطروحات ماسينيون ، ولم يتوان هذا الأخير بدوره عن التضييق على مالك حين كان طالبا في فرنسا وحتى خارجها أين وصل نفوذ هذا المستشار الكبير ، حيث استشعر مدى خطورة أن يكون للأهالي الجزائريين عقل نبيه مثل بن نبي وما الذي تمثله رؤية مفكر لأن الاستدمار كان يقدّر قيمة العقول ، ومن أكثر عبارات مالك بن نبي ألما تلك التي ذكرها في مذكراته الموسومة ” العفن ” حيث تأسف لأن أحدا لم يفهمه إلا عدوّه اللدود .. ماسينيون.

ولعلها قاعدة أزلية عند الأنظمة الاستبدادية أن تطمس القيمة الحضارية والإنسانية للمسجد ، تماما كما فعلت الدول التي حكمت المسلمين منذ القدم حيث عمل وحرص أغلبها على أن لا يكون المنبر أداة لإنتاج الوعي والأفكار والتنوير ، فكتب التاريخ الإسلامي تروي أن الدولة الأموية كانت لا تقيم صلاة الجمعة إلا قبيل المغرب حتى يخرج وقتها ، وقد تنبهت السلطة بالأمس إلى أن المسجد كان خارج سيطرتها فلم تزل تعمل على إخضاعه للهوى السياسي الرسمي ، ولم تزل تقمع كل صوت إصلاحي تصدح به مآذن المساجد ، وتلك صورة من صور علمنة الحياة العامة الجزائرية ، بحيث يكون الدين عبارة عن تفصيل هامشي ، وقد يكون تهمة لمن يحاول نفض غبار العفن عنه ، فتم حصر الخطاب الديني في المواضيع الوعظية التي تقدم لرواد بيوت الرحمن في جبّة الغابرين ، ما زاد من ركود العامل النقدي وتعطيل جهود الساعين للتجديد في الفكر الديني.

ولم تروعِ السلطة عند هذا الحد فقد أقحمت المسجد في مساعيها الترويجية لمشاريعها السياسية والاجتماعية المتهاوية ، فأذكر مرة أن الإمام قرأ على الناس إعلانا للوالي بخصوص عملية ترحيل سكان منطقة من مناطق الجزائر العاصمة !! ، ونشهد هذه الأيام تجنيد المساجد والأئمة للترويج لمشروع التعديل الدستوري ، وقد طلبوا من الأئمة بلا حياء أن ينزلوا إلى الشوارع والأماكن العمومية رفقة رجال الأمن المسلحين لشرح مسودة الدستور للمواطنين !!! ، فهذه مشاهد المسخ وغيرها دليل على تحويل المسجد عن مساره الإصلاحي التربوي الحضاري الذي خطّه له الإسلام إلى حاضنة رسمية للتأطير السياسي ، وكان هذا سببا في تشويش رمزية يوم الجمعة عند الشباب ، والدفع بالكثير منهم للخروج عن صورة الإسلام النمطية الرسمية المحصورة في الطقوسية اللاهوتية ، ليجدوا أنفسهم بين أمواج التيارات الفلسفية والفكرية المتضاربة ، وإن لم ننكر عليهم إنسانيا نزعتهم لإعادة بناء آرائهم ومعتقداتهم وقناعاتهم من جديد لكنني كنت أود لو تم إفساح المجال لأفكار الشباب في بلورة مسجد عصري ، يكون مجالا لطاقاتهم الإبداعية بكافة أنواعها ، لابد علينا بذل أقصى جهودنا لتحرير المسجد اليوم من قبضة السلطة ، ليكون منبرا للإصلاحيين لمواجهة ورأب التصدعات والتناقضات الاجتماعية التي خلقها النظام من خلال سياساته التي استهدفت المجتمع الجزائري لتفكيكه وإعادته لإطار القبلية والعشائرية الجاهلية والفردية الأنانية .

في الأخير لابد من الإشارة أن الجميع معني بمسألة تحرير وإصلاح المسجد ، فهذه المؤسسة ليست ملك ذلك الموظف التي تسميه السلطة ” الإمام ” ، والذي تنحصر مهمته في قراءة ورقات يوم الجمعة والدعاء بالحفظ والتوفيق للفاسدين والمفسدين ، فالطبيب عليه أن يكون له دور ، والمهندس والمعلم والمحام والطالب الجامعي والأستاذ في الجامعة ، وقبل وبعد كل هذا المرأة كذلك معنية بأن يكون لها دور إصلاحي في المسجد ، إن الاستبداد يحاول أن يجعل الجميع في خدمته حتّى المقدّس ! ، للأسف هذا ما يحصل في غفلة منا وانشغالنا بالعرض عن المرض !.

متعلقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى