أعمدة الرأي

جذور قضية نزار مع آيت أحمد

ان  الجهل بالتاريخ هو الذي يمنع البعض من فهم وتفسير مما يحدث اليوم، فقد تحدثنا في مقالة سابقة بالتلميح فقط عن جذور محاولة خالد نزار تشويه صورة المجاهد حسين آيت أحمد مباشرة بعد الإلتفاف الشعبي حول الرجل أثناء جنازته، وقلنا ان الصراع يعود إلى 1963 دون أن نوضح ماوقع آنذاك، فقد حاول بعض الضباط الفارين من الجيش الفرنسي دفع منطقة القبائل ومعها جزء كبير من جيش التحرير الوطني المتمركز هناك بقيادة العقيد محند ولحاج القائد الأخير للولاية التاريخية الثالثة إلى العنف.

فبعد إنشاء جبهة القوى الاشتراكية أرسل نظام بن بلة وفدا عسكريا بقيادة الكومندان سعيد عبيد إلى قيادة الحزب الجديد لمعرفة مطالبه، فلخصها الحزب في عدة نقاط أهمها الاعتراف بالتعددية الحزبية وتطهير الجيش من الضباط الفارين من الجيش الفرنسي وإعادة تشكيل قيادة الجيش بإبعاد بومدين وتعيين محمد شعباني أو الطاهر الزبيري مكانه مع إلحاق قادة النواحي العسكرية بالقيادة العامة للجيش الوطني الشعبي.

ويروي لخضر بورقعة في مذكراته حول ما أسماه ب”إغتيال الثورة”)ص ص 123-(124  مستندا على اعتراف أحد جنود الجيش من أن بعد أن علم الكابتن زرقيني وهو أحد الضباط الفارين من الجيش الفرنسي بمطالب جبهة القوى الاشتراكية، أفتعل حدثا عنيفا في عزارقة لإفشال المفاوضات بين نظام بن بلة وجبهة القوى الاشتراكية، حيث قسم الكابتن زرقيني قواته إلى مجموعتين أحدهما تمثل قوات الجيش الوطني الشعبي وأخرى تمثل دور قوات تابعة لجبهة القوى الاشتراكية، فحدث اصطدام مصطنع بين المجموعتين فأتهم النظام جبهة القوى الاشتراكية باستعمال العنف، فقطع هذا الحدث المؤلم الطريق أمام المفاوضات ودخل الطرفان في صراع دموي خلف الكثير من الضحايا، ولا يمكن لنا التأكد هل فعل رزقيني ذلك بطلب من مجموعة الضباط الفارين من الجيش الفرنسي حفاظا على مصالحهم أم بطلب من بومدين الذي يبدو أنه أراد استغلال التمرد العسكري لجبهة القوى الاشتراكية لتقوية نفوذه ودفع بن بلة للارتماء أكثر في أحضان بومدين  ؟.

لايمكن لنا فهم ذلك بمعزل بما كان يحدث آنذاك في عدة بلدان تخلصت من الإستعمار الفرنسي، ففي المغرب الأقصى مثلا ضغط جيش التحرير المغربي في كفاح مسلح من أجل التحرير من الإستعمار، لكن عمدت فرنسا إلى إعطاء نوعا من الإستقلال للمغرب أمام كل هذه الضغوط، ومنها ضغوط الثوررة الجزائرية والتفكير في إنشاء جيش تحرير مغاربي يضم الجزائر وتونس والمغرب.

لكن أرادت فرنسا إستقلالا تتحكم فيه، فأشترطت تفكيك جيش التحرير المغربي الذي كان يكافح ضدها، فأنشأت للأسرة الملكية الحاكمة جيشا يدعى “الجيش الملكي المغربي”، ويسيطر على دواليبه ضباطا كانوا داخل الجيش الفرنسي، وأشهرهم الجنرال محمد أوفقير، كما أحتكرت مدينة فاس دواليب الدولة على حساب المناطق التي ضحت أكثر من أجل إسترجاع إستقلال المغرب، وعمد هذا الجيش في مهمة التفكيك والقضاء على جيش التحرير المغربي خاصة في الريف المغربي، وهي المنطقة التي ينحدر منها البطل الكبير عبدالكريم الخطابي، أين يرفض حكام المغرب إلى حد اليوم نقل رفاته من مصر إلى المغرب رغم المطالب الشعبية بذلك، خاصة في الريف المغربي.

ولكي يتم القضاء النهائي على جيش التحرير المغربي تم إفتعال أحداث في أواخرالخمسينات في منطقة الريف أدت إلى القيام بمجزرة يندى لها الجبين بقيادة هؤلاء الضباط المنحدرين من الجيش الفرنسي، ولم يكتف حكام المغرب بذلك، بل عمدوا غلى متابعة أحد قيادات حركة التحرير والذي تحول إلى المعارضة، وهو المهدي بن بركة الذي أسس أول حزب معارض في المغرب يدعى “إتحاد القوى الإشتراكية”، وقد قتل بن بركة في 1965 على يد الجنرال محمد أوفقير بمساعدة المخابرات الفرنسية، وأخفيت آثار الجريمة، فقضية بن بركة لازالت تشغل إلى حد اليوم  الرأي العام الفرنسي بسبب ضلوع المخابرات الفرنسية فيها.

أن العودة إلى ذلك يشبه إلى حد كبير ما وقع في الجزائر في نفس الفترة تقريبا، فهل كان المخطط هو نفسه في كلا البلدين؟، لكن ما هو مؤكد منه أن أغلب قيادات وضباط جيش التحرير الوطني تمت تصفيتها وإبعادها بداية بما وقع في منطقة القبائل ثم الصحراء بإعدام محمد شعباني الذي كان أيضا من أبرز المطالبين بتطهير الجيش من الضباط الفارين من الجيش الفرنسي، ويبدو أن المشهد قد أكتمل بعد ما دفع هؤلاء العقيد الطاهر الزبيري إلى محاولته الإنقلابية وأنجر عنها تصفية المتبقين من الضباط الكبار لهذا الجيش الذي كان أغلبه بالداخل يقارع الجيش الإستعماري.

أن مانورده ليس إتهاما لأي كان، بل فقط نبحث عن مفاتيح للفهم، لأنه لايمكن أن نضع الجميع في سلة واحدة، كما علينا أن نميز بين ثلاثة أصناف من الضباط وصف الضباط والجنود الذين فروا من الجيش الفرنسي، فعلينا أن نشير أن الكثير ممن أشعلوا فتيل الثورة المسلحة كانوا في هذا الجيش وتعلموا فيه استخدام السلاح إما كمنخرطين مثل العقيد عمر أوعمران أو كمؤدين للخدمة العسكرية كمصطفى بن بولعيد وأحمد بن بلة وغيرهما، وهناك صنف ثان التحق بالثورة المسلحة في بداياتها كالعقيد محمود شريف، والبعض منهم هرب بجنوده كالعقيد أحمد بن شريف والكومندان الشهيد علي خوجة والكومندان عبد الرحمن بن سالم وغيرهم.

ويحوم الغموض والشك حول صنف ثالث من هؤلاء الضباط، وهم المقصودون تاريخيا بمصطلح “ضباط الجيش الفرنسي”، ونفضل نحن استعمال عبارة “الضباط الفارون من الجيش الفرنسي”، وقد التحق هؤلاء الضباط بالثورة في أواخرها وأغلبهم في سنتي 1958 و1959، وهؤلاء الضباط منخرطون في الجيش الفرنسي، لكن حتى هم أيضا عانوا من ويلات العنصرية الاستعمارية مثل كل من تعلم في المدارس الاستعمارية. وقد بدأ التحاق هؤلاء الضباط بالثورة بعد توجيههم رسالة إلى الرئيس الفرنسي كوتي  Cottyيطالبون بإيجاد حل عادل للقضية الجزائرية، فعاقبتهم السلطة الفرنسية على هذا الموقف، فهرب الكثير من هؤلاء الضباط في أواخر عام 1957 ليلتحقوا بكل من تونس والمغرب، ومن هؤلاء الضباط عبد القادر مولاي (المدعو شابو)  وإيدير وسليمان هوفمان وبوتللة وزرقيني وبوعنان وعبد المؤمن، ثم أنشأت جبهة التحرير الوطني في مارس 1958 جهازا بقيادة بوعلام أوبراهم مهمته تهريب الضباط الجزائريين في الجيش  الفرنسي المقيمين في كل من فرنسا وألمانيا ضمن قوات الحلف الأطلسي، فالتحق عدد آخر من الضباط بزملائهم في أبريل 1959 ومنهم على سبيل المثال لا الحصر محمد علاهم ومصطفى علاهم وآيت مهدي آمقران وعبد الحميد الأطرش ومحمد عقون ومختار كركد ومحمد بن محمد وبن مصابيح… وغيرهم ليلتحق بهم بعد شهور خالد نزار وسليم سعدي ومحمد قنايزية ومصطفى شلوفي… وغيرهم. وكذلك العربي بلخير الذي سيصبح أقوى رجل في دواليب الدولة لمدة طويلة، وبلغ عدد هؤلاء الضباط حوالي 40  ضابطا في 1959، فاستشهد البعض منهم، وارتقى آخرون إلى أعلى الرتب العسكرية في الجيش الوطني الشعبي.

فهؤلاء الضباط الفارين من الجيش الفرنسي أزداد عددهم فيما بعد، وقدرهم الباحث الفرنسي اندري فيتي A.Fitte بـ 130 ضابطا في عام 1973 في الجيش الوطني الشعبي، كانوا يمثلون السند الرئيسي للرئيس بومدين، فكانوا يتحكمون في أبرز دواليب الجيش في عهده دون أن يظهروا في الواجهة، ففي عهد بومدين تحكم هؤلاء الضباط الفارين من الجيش الفرنسي في الكثير من الوحدات القتالية في الجيش، بالإضافة إلى إدارة الجيش، فمثلا كل الأمناء العامين لوزارة الدفاع الوطني هم من الضباط الفارين من الجيش الفرنسي، حيث نجد عبد القادر شابو الذي خلفه عبد الحميد الأطرش بعد مقتل الأول في حادث تحطم مروحيته بنواحي سطيف عام 1971، كما كانوا يسيطرون على أغلب منافذ ومديريات الجيش الوطني الشعبي، فمثلا نجد سليمان هوفمان على رأس مديرية سلاح الدبابات وبوزادة على مديرية سلاح العتاد وميدوني على مديرية سلاح الهندسة وبقة على مديرية سلاح الدفاع المضاد للطائرات وسليم سعدي على مديرية النقل العسكري وعبد المجيد علاهم على مديرية التدريب العسكري وخليل على مديرية الإحصاءات، كما ترقى خالد نزار من قائد لواء في بدايات الإستقلال ليصل إلى رأس وزارة الدفاع الوطني، ويصبح هو الآمر والناهي في أواخر الثمانينيات وغيرهم الكثير من الضباط كمحمد لعماري ومحمد قنايزية ومصطفى شلوفي والعربي بلخير، الذين أصبحت أسماءهم تتردد بقوة في بداية التسعينيات من القرن العشرين، وكان بومدين من أشد المدافعين عنهم، وكان يقول صراحة منذ الإستقلال أنه من يأت بذكر هؤلاء الضباط الفارين من الجيش الفرنسي بسوء “فإني أضع حجرة في فمه”، وقد دافعت منطقة القبائل ثمنا باهظا، لأنها الناحية العسكرية الوحيدة التي رفضت تغلغلهم إليها، فتم إلغائها من هيكلة الجيش، بعد ما كانت تعد الناحية العسكرية السابعة بقيادة محند ولحاج، لتتبعها بعد ذلك الناحية العسكرية لبسكرة في رفضها هؤلاء الضباط، فدفع محمد شعباني حياته ثمنا لهذا الموقف عام 1964.

 

البروفسور رابح لونيسي

متعلقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى