ثقافة

قراءة في كتاب “جزائر الأمل” لأحمد بن بيتور

صدر عن دار الخلدونية للنشر والتوزيع كتاب قيم من الحجم المتوسط للدكتور احمد بن بيتور تحت عنوان ” جزائر الأمل”

يحدد احمد بن بيتور في مقدمة الكتاب ضرورة إعادة بناء الجزائر التي ينبغي أن تنطلق من التغيير العاجل لنظام الحكم في كنف السلم والهدوء المتبصر، محذرا بان التغيير المنشود هو الفرصة الوحيدة والأخيرة لإنقاذ الجزائر، هذا الإنقاذ الذي يتعين حسبه الشروع فيه دون تأخير قبل فوات الأوان.

وبصفته خبيرا اقتصاديا فان المؤلف يحدد ضمن الإشكالية وسائل التغيير المنشود الذي يجب أن يعتمد على مصادر مالية هامة تكون أساس تمويل مختلف الإصلاحات والاستثمارات المنتجة ضمن برنامج وطني متفق عليه مع اللجوء إلى دسترة استعمال مداخيل المحروقات وتوجيهها حصريا نحو التنمية المستدامة .

ويوجه الدكتور بن بيتور في هذا الصدد نداء ملحا لتجنيد كل فئات المجتمع بما في ذلك النظام الحالي من أجل إنقاذ الجزائر. الكتاب يقسمه صاحبه إلى خمس فصول

الفصل الأول: يختار له عنوان ” نحو قرنين من العنف والكفاح من اجل الحريات” ويقصد به كفاح الشعب الجزائري ونضاله ضد الاستعمار الفرنسي منذ 1830 ثم نضاله ضد الحكم الشمولي والدكتاتوري إلى غاية اليوم. وفي هذا الفصل يستعرض الكاتب والمحلل الاقتصادي مسيرة الجزائر ونضالاتها من اجل الحرية ويربط الحاضر بالماضي ويستعرض بالتحليل ظروف الجزائر عشية الغزو الفرنسي ويقارنها بظروفها المزرية اليوم ليستخلص درسا هاما مفاده أن السلطة البعيدة عن شعبها تكون ضعيفة ولا يمكن لها البقاء والصمود . ويستعرض ضمن هذا الفصل بالدراسة والتحليل الصراع على السلطة الذي عاشته الجزائر غداة حصولها على الاستقلال الوطني، ثم يستعرض بالتحليل لتجربة كل من الرئيسين هواري بومدين والشاذلي بن جديد وبروز الظاهرة الدينية في الجزائر وأحداث أكتوبر وتكريس محاولة الانفتاح السياسي ثم توقيف المسار الانتخابي ووصول الرئيس زروال إلى الحكم ورعايته للحوار الوطني مع القوى السياسية ومكونات المجتمع المدني ومراجعة الدستور .

ويقف الكاتب عند استقالة الرئيس اليامين زروال التي يعتقد أن المستقل اتخذ قرار الاستقالة للانتقال بالبلاد إلى مرحلة نوعية جديدة وترسيخ مبدأ التداول على السلطة .

أما مرحلة الرئيس الحالي فان الكاتب يستعرض فيها أهم النقاط التالية: المعالجة السطحية لمسالة المصالحة الوطنية واستعرض مختلف التجارب العالمية بحيث أن الكاتب يرى انه من حق ضحايا الإرهاب وعائلاتهم معرفة الحقيقة الكاملة حول اغتيال أقاربهم وكيف تم ذلك ويصل إلى حقيقة هامة في هذا المجال مفادها أن الماضي إذا لم يعالج كليا فهو يعود دائما مجزءا لتستغل عندها أجزاؤه الأكثر ألما في تغذية الصراعات السياسية .

ويعتقد الكاتب أن الكيفية التي تمت بها معالجة ملف المصالحة الوطنية ما هي في النهاية إلا هروبا للأمام بدليل أن الوفاق المدني الذي تطور إلى وافق وطني ثم مصالحة وطنية عجز عن القضاء على مظاهر العنف عبر كامل التراب الوطني . ويتساءل الكاتب عن الفرق بين الوئام المدني والوئام الوطني ثم يتطرق بالتحليل إلى الأسباب الحقيقية التي كانت وراء المسعى .

الفصل الثاني : يخصصه الدكتور بن بيتور للاقتصاد وعنونه بـ”اقتصاد مصاب بنقمة الموارد” ويقصد بنقمة الموارد اعتماد الاقتصاد على الموارد الطبيعية مثل المحروقات في الجزائر، فالاقتصاد الجزائري يعتمد أساسا على تصدير المحروقات التي تشكل 98 بالمائة من إيراداته من العملة الصعبة .

ويرى الكاتب في هذا الفصل أن الطريق نحو الركود الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي والتفقير يظهر في العناصر الستة التالية التي يتعرض لها بالدراسة والتحليل :

1- وفرة المواد التي تنمي تعاظم رغبة النفقات العمومية. ويقدم أمثلة واقعية مثل ارتفاع النفقات العادية في ميزانية التسيير بـ 50 بالمائة ما بين 2010 و 2011 وارتفاع نفقات الموظفين بنسبة 46 بالمائة في نفس السنة . 2- مركزية وتكييف إمكانيات الميزانية .

3- استغلال مواد طبيعية غير قابلة للتجديد، وفي هذا الصدد يرى الدكتور بن بيتور أن كل برميل بترول أو متر مكعب من الغاز المستخرج من الأرض ما هما إلا تفقير للأمة في حالة عدم تواجد ادخار حقيقي ايجابي . وفي هذا الصدد يدق الكاتب ناقوس الخطر لاستعمال الجباية البترولية لأول مرة من طرف النظام الحالي في تمويل ميزانية التسيير عوض اقتصارها على تمويل ميزانية التجهيز ويوضح حجم هذا التحويل في ميزانية التسيير والذي هو في ارتفاع مستمر سنة بعد أخرى .

4 – وفرة المداخيل تجلب جماعات الضغط غير المنتجة والبحث عن الريع وهو ما يؤدي حسب الكاتب إلى ظهور أعمال العنف والخطف والسرقة وانتشار العصابات وهذا نتيجة للإحساس بعدم المساواة .

5- اتسام العلاقات بين المواطن والدولة بالتفسخ بسبب نقص أو غياب الجباية المباشرة وتأكيد التبعية المفرطة للمحروقات وهشاشة الاقتصاد الجزائري ويؤكد الكاتب في هذه المسالة الهامة أن الجباية العادية ” خارج المحروقات” كانت تغطي كل نفقات التسيير خلال عشرية السبعينيات من القرن الماضي .

6 – وفرة الموارد تؤدي إلى تمركز السلطات في أعلى هرم النظام مما يعني أن الوصول إلى السلطة يعني الوصول إلى الثروة في الحاضر والمستقبل . ويرى الدكتور بن بيتور في هذا الصدد أن الدعم السياسي يبنى على الزبائنية وأيضا دعم القوة الدولية لضمان التموين بالطاقة، لكنه يوضح مسالة على درجة هامة وهي أن ” لعنة الموارد الطبيعية ليست في النهاية قدرا محتوما” ويضرب مثلا ببلد غني بالبترول وهو النرويج لكنه اليوم يصنف في المرتبة الأولى عالميا في مؤشر التنمية البشرية وذلك راجع لسبب بسيط وهو أن الناظم في النرويج عرفت كيف تستعمل ريع المحروقات لبناء اقتصاد منتج. في حين أن النظام في الجزائر استعمل إيرادات هائلة في شراء السلم الاجتماعي .

ويخلص الكاتب إلى حقيقة ثابتة وهي أن قوة الأمم أصبحت تقاس بقدرة الابتكار ونوعية نظام التعليم ونوعية تكوين مسيريها في القطاع العام وفي القطاع الخاص. ويؤكد على ضرورة الاستثمار في الرأسمال البشري ومستوى التعليم والاستثمار في البحث العلمي ونوعية الهياكل العمومية وهي العناصر المفقودة في الجزائر .

ويعتقد الدكتور بن بيتور أن إعادة توزيع الإنتاج الوطني هي في النهاية ليست صدقة بل يعتبرها إستراتيجية شاملة ضد التهميش وتتم بتشجيع مشاركة الفقراء في ازدهار الاقتصاد ويطالب بالشروع في انجاز ما اسماه بأقطاب التنمية .

والمقصود بقطب التنمية عند الكاتب هو كل تنمية تهدف إلى خلق مؤسسات من اجل التركيز على صناعة معينة في منطقة معينة. ويدعو إلى اقتباس التجربة الماليزية والقيام بنشاء مجلس جزائري للأعمال ويرى أن ” نهاية الريع الآتي من المحروقات تترسم بكل وضوح في الأفق… فهي في نتيجة حتمية لسياسة ميزانية تتسم بقدر كبير من التوسع والتميع والتسيب.. الفاقدة لأبسط قواعد الصرامة ” ويدق الدكتور بن بيتور ناقوس الخطر ليؤكد بأنه في الوقت الذي كانت فيه الجزائر تشهد انخفاضا في صادرات المحروقات وانخفاضا في أسعار المحروقات فان تصرف السلطات العامة للنظام الحالي اتسم بسياسة الهروب إلى الأمام وشراء السلم الاجتماعي بتكلفة باهضة واستعمال الريع بقصد توسيع المساندين للنظام . أما بالنسبة لمسالة الغاز الصخري فان الكاتب يقدم تحليلا علميا هاما ويؤكد بان إصرار النظام على استغلال الغاز الصخري في الظروف الحالية ليست في متناول الجزائر لا من الناحية التقنية ولا من الناحية الاقتصادية وبالأخص تكلفة الإنتاج العالية .

وفي خلاصة الفصل الثاني يصل الدكتور بن بيتور إلى تقرير حقيقة مخيفة وخطيرة بالنسبة لمستقبل الجزائر بسبب تآكل وانخفاض حجم الريع ويحذر بكل صراحة بان الاستمرار في تسيير الاقتصاد الوطني بنفس سياسة التسيب والتبذير والفساد المتبعة من طرف النظام الحالي سوف يرهن مستقبل الأمة، مؤكدا بان الجزائر ستواجه سنوات عجاف .

ويختم الدكتور بن بيتور خلاصة الفصل الثاني بان “الجزائر في حاجة إلى نظام حكم، يكون المواطنون قادرون فيه على التعبير والمساءلة بمعنى تمكين المواطن من القدرة على مساءلة الحكام “.

الفصل الثالث: جاء تحت عنوان ” الفساد دافع إلى تبديد الموارد وتهديد لأمن الدولة “. والهدف من هذا الفصل هو تشريح نظام الحكم والتأكيد بان الدولة أصبحت تسير في اتجاه انحراف خطير وتسير من فاشلة إلى دولة مميعة. في بداية الفصل الثالث يحلل الدكتور بن بيتور مظاهر الدولة الفاشلة ومميزات الدولة المميعة ليترك القارئ يستخلص تلقائيا أن كل هذه المظاهر تنطبق على النظام السياسي الحالي في الجزائر وعلى الدولة الجزائرية . ويقف الكاتب مطولا عند استفحال ظاهرة الفساد ومختلف صوره وأشكاله ليصل في النهاية إلى المطالبة العاجلة لضرورة تغيير النظام برمته، هذا التغيير الذي لا يمكنه أن يتحقق إلا عبر المرور بمرحلة انتقالية ديمقراطية. الفصل الرابع جاء تحت عنوان ” أي إستراتيجية من اجل الانتقال الديمقراطي ؟ ” في هذا الفصل يحذر الدكتور بن بيتور من أن الدولة الجزائرية متجهة نحو الانهيار وهو ما يتطلب إعادة هيكلة كل من الإدارة والمدرسة والاقتصاد . ويدعو إلى ضرورة المرور بمرحلة انتقالية ويستعرض التجارب الناجحة مثل : – اسبانيا – البرتغال – ألمانيا الشرقية ثم يضع الدكتور بن بيتور خريطة طريق أو برنامج عمل للانتقال الديمقراطي ويحدد شروطه ووسائله مبينا نماذج الانتقال الديمقراطي والعدالة الانتقالية ودور الجيش في عملية الانتقال الديمقراطي المنشود .

أما الفصل الخامس والأخير فقد خصصه الدكتور بن بيتور اـ” برنامج جزائر السلم والعدالة والازدهار” في بداية هذا الفصل يشرح الدكتور بن بتور الوضع الحالي المزري للجزائر على مختلف الأصعدة ليقر بكل صراحة أن الجزائر اليوم يحكمها ” نظام تسلطي من العهد الماضي وحقبة أخرى نظام يرتكز على عبادة الشخص وخرق الدستور والعبث بالمؤسسات، واحتقار الشعب في كل مستويات هرم السلطة “.

البرنامج المقترح في هذا الصدد لجزائر السلم والعدالة والازدهار يرتكز في نظر الكاتب على المهام الرئيسية التالية : – أولويات بناء المؤسسات – * إعادة بناء الدولة – * إعادة بناء المدرسة – * إعادة بناء الاقتصاد – * تعزيز مكانة الكفاءة الوطنية وضمن هذا المنظور يتطرق المؤلف بإسهاب لمساءل هامة تتمثل في إعادة هيكلة الإدارة وضمان الأمن للجميع وإعادة هيكلة جهاز العدالة وعصرنة الجيش وبناء اقتصاد قوي يستجيب لمتطلبات الأمة الجزائرية . وفي الخلاصة يدق المؤلف مرة أخرى ناقوس الخطر مؤكدا أن الأمة الجزائرية ” تواجه خطرا داخليا يتمثل في انهيار الدولة، تآكل الريع وانتشار الأمراض الاجتماعية والفساد”.

أما الخطر الخارجي فيأتي حسبه من الشمولية ” والجيوستراتيجية الجهوية الجديدة التي تهدف إلى اختفاء الدولة الوطنية وتعويضها بدويلات محلية في إطار بناء منا يسمى بالشرق الأوسط الكبير، دون أن يغفل الخطر الناجم عن خطط الاتصال بالإضافة إلى فساد الأخلاق والعنف وانتشار الفساد انتشارا واسعا.

بقي أن نؤكد أن المؤلف عبارة عن دراسة تشريحية صادقة للنظام الجزائري المتسم بالفساد والحامل لبذور فنائه في نفسه كما أن ما يميزه انه يضع خريطة طريق موضوعية لمرحلة انتقال ديمقراطي حقيقي تؤدي إلى إعادة بناء كل مؤسسات الدولة من اجل الحفاظ على الأمة الجزائرية وتحقيق جزائر الأمل . وبدون هذا الانتقال الديمقراطي المتفق عليه فان الجزائر سيكون مصيرها الزوال والانهيار وعليه فانه يتعين على كل واحد منا مهما كان مستواه ومهما كانت انتماءاته أن يتحمل مسؤولياته كاملة أمام الله وأمام التاريخ وأمام الشعب

الأستاذ / عظيمي مسعود ضابط سامي متقاعد ومحامي

متعلقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى