أعمدة الرأي

المُشاهد…الخاسر الأكبر

مررت قبل أيام بإحدى المقاهي.. فشدني تجمع عشرات الشباب متزاحمين أمام شاشة صغيرة.. ساقني الفضول للتسلل بينهم  ظني مني أن فخامته أعلن استقالته على طريقة جمال عبد الناصر.. لكنني لم أجد سوى مباراة لفريقين يصعب ذكر   اسميهما.

تراجعت من بين الحشود ﻷتخذ لنفسي موقعا يسمح لي برؤية المنظر بأكمله ثم استغربت.. ذلك اللاعب يتقاضى مبالغا ضخمة مقابل أداءه ولياقته، و فريقه هذا يتقاضى مبالغ أضخم مقابل طباعة دعائية على قمصانه و تذاكر المتفرجين، و القنوات الناقلة تتقاضى أموالا أضخم مقابل الدعاية التلفزيونية لهذا المشروب أو ذاك، و صاحب شركة المشروبات يدفع قيمة هذا الإعلان ليبيع لنا مشروبه بمئة ضعف تكلفة تصنيعه.

و مالك المقهى هنا يضع هذه الشاشة  ليبيع المشروبات و الحلويات لهؤلاء المحرومين، أما هم فالكل يستنزف وقتهم في المشاهدة ثم أوقاتهم في النقاش و التحليل  ثم يجدون أنفسهم قد تعلقوا بهذا اللاعب فيشترون قميصه و قد تعلقوا بذاك المشروب فيشترونه و قائمة التأثيرات و الروابط الذهنية في العقل الباطن لن تحصيها جدا، والمثير للشفقة أنه لا أحد سيدفع لهم (عن هؤلاء “المحرومين” أتحدث).

كل أطراف هذه المعادلة قد اختاروا أن يكونوا جزء منها لهدف واحد وهو الربح و المال، إلا طرفنا المحروم اختار أن يشاركهم اللعبة و تطوّع بأن يكون في أدنى هرم هذه السلسلة الغذائية ان صح التعبير.

وقته و ماله و تركيزه يهديهم طوعا بحجة غياب مرافق الترفيه البديلة، وقد يعلم و قد لا يعلم هذا المحروم أن الله سائل كل عاقل عن عمره و شبابه فيما أفناه، و أن الكتاب اسمه خير جليس، و أن سهرة عائلية في بيت تغمره المحبة و الطاعة أولى،  و أن العمل لكسب القوت أفضل، و أن جماعات الذكر و الجلسات العلمية و الثقافية أحق بأن نبحث عنها و نتحلق حولها، و أن ساعة مشي أفضل للصحة و البدن من مشاهدة مباريات الكل فيها مستفيد إلا أنا خاسر.

والله لم أشاهد يوما مباراة واحدة غير  مباريات الفريق الوطني (والتي أشاهد الوطنية فيها لا الرياضة) ﻷني أؤمن أن الرياضة ممارسة وليست مشاهدة.

متعلقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى