أعمدة الرأي

القراءات والدلالات السياسية للجنازات

إن جنازات بعض الرجال التاريخيين والسياسيين لها دلالات سياسية كبيرة، ويجب على المتتبع أن يقرأها جيدا ليفهم الكثير من الأمور،  بل عادة مانجد أنها تحمل رسالات سياسية كبيرة، فمثلا في الإتحاد السوفياتي كان كل من يقرأ الكلمة التأبينية، سيكون هو الخليفة للأمين العام للحزب الشيوعي الراحل، ومادام الجزائر في سبعينيات القرن الماضي كانت قريبة من النظام السوفياتي أعطيت أهمية كبليرو لمن يلقي الكلمة التأبينية للرئيس الراحل بومدين، فتصارع كلا من يحياوي وبوتفليقة على من يقرأ تلك الكلمة التي كتبها أصلا علي بن محمد الذي أصبح وزيرا للتربية في بدايات التسعينيات، وقد كان عند وفاة بومدين عضوا في الحزب الواحد ومقربا من منسق حزب جبهة التحرير الوطني محمد الصالح يحياوي بطلب من هذا الأخير، لكن فوجيء علي بن محمد ببوتفليقة يقرأها أثناء الجنازة، ويعود ذلك إلى تنازلات بين الطرقفين المتصارعين بوتفليقة ويحياوي تحت ضغوطات مسؤول المخابرات قاصدي مرباح، لكن وجد كلا الطرفين نفسيهما خارج السباق لخلافة بومدين، وخلفه الشاذلي بن جديد الذي أعطيت الأوامر للتلفزيون للتركيز عليه في الجنازة، وهو يسكب دموع الحزن على الرئيس الراحل بومدين.

ودائما من خلال تتبعنا لهذه الجنازات والسعي لقراءة دلالاتها السياسية جذبتني جنازتي الراحلين بن بلة وبن جديد اللتان جاءتا في فتريتن متقاربتين

فقبل أن نتحدث عن جنازة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد علينا أن نعود قليلا إلى الوراء وهي جنازة الرئيس الراحل أحمد بن بلة، فيلاحظ برغم التشابه التام في المراسيم والبرتوكولات بين هذه الجنازة وجنازة الرئيس الشاذلي بن جديد، إلا أن جنازة أحمد بن بلة كانت باهتة نوعا ما على عكس جنازة بن جديد، فذلك ليس معناه أن الجزائريين قد أهملوا رئيسهم الأول بن بلة  وأحد الرموز الكبرى في تاريخهم وثورتهم، بل هناك عدة قراءات نجدها عند المواطنين ومنها الجو الممطر الذي صاحب الجنازة، لعلها منعت الناس من الخروج إلى الشارع، ويذهب البعض إلى القول أن الشعب فوجيء بتلك الهالة التي أحاطها الرئيس بوتفليقة بالرئيس بن بلة، ولم يكن متعود عليها، ولم يكن يعلم أنها سياسة جديدة للرئيس الدولة في إكرام وتبجيل رجالات الجزائر، فقرأها البعض أن إعلان الحداد ثمانية أيام، ونحن عادة لانتجاوز ثلاثة أو سبعة إيام على أقصى تقدير، ثم تجنيد وسائل الإعلام العمومية للحديث عن الرئيس بن بلة بشكل مبالغ فيه، دفع الكثير من المواطنين إلى الإعتقاد أن ذلك كله قد أملته عوامل جهوية بحكم أن الرئيسين بوتفليقة وبن بلة ينحدران من نفس المنطقة، فكان نوع من رد فعل سلبي على تلك الجنازة، كما ذهب البعض الآخر إلى القول أن أغلب الجزائريين الذين لا زالوا على قيد الحياة لا يعرفون بن بلة ولم يعيشوا عندما كان في الحكم بإستثناء الكبار في السن، وهذا على عكس الشاذلي بن جديد، خاصة وأن الإعلام قد طمس هذه الشخصية بعد الإنقلاب عليها في 19 جوان 1965، ويذهب آخرون في نفس المنوال بالقول أن بومدين يحظى بشعبية كبيرة، ولهذا مادام أنه انقلب على بن بلة، فمعناه هو نقيضه، وبالتالي حكم على سياسة الرئيس بن بلة بالسلبية مقارنة ببومدين، ويذهب آخرون إلى القول أن بن بلة قد أخطأ عندما مس الكثير من الشخصيات العظيمة والرموز الكبيرة في تاريخ الجزائر مثل عبان رمضان وبن مهيدي وحسين آيت أحمد وبوضياف، فجلب عليه نوعا من الإهمال على عكس بن جديد الذي ألتزم الصمت، ولم يمس بأي كان.

أما بالنسبة للرئيس بن جديد، نجد بعض القراءات العادية، والتي ليس لها أي طعم سياسي، ومنها أنه عند كل جنازة تمحى كل الإختلافات، ولا تذكر، ويحضرها الجميع، وقد كانت جنازة بن جديد في يوم ربيعي، وأن الذين عايشوا حكم بن جديد لازالوا كهولا وشبابا، كما أن بن جديد ألتزم الصمت عكس بن بلة كما سبق أن ذكرنا، لكن يعتقد الكثير أن موقف عاطفي يتميز به الجزائري فرأى أن بن جديد قد ظلم بعد تنحيه عن الحكم، والإنسان الجزائري بطبيعته يرفض الظلم، ويذهب آخرون إلى القول أنها حنين الكثير من الجزائريين إلى فترة حكمه التي يعتبرونها من أجمل سنوات تاريخ الجزائر المستقلة، خاصة في النصف الأول من ثمانينات القرن السابق، ويذهب آخرون أبعد في تحليلاتهم بالقول أن بن جديد عسكري وكأن الشعب الجزائري مل من المدنيين، وأصبح يرى بأن العسكري هو الأصلح للحكم والدليل التعاطف الشعبي الذي يحظى به ليامين زروال، خاصة وأن في الجزائر الرؤساء العسكريين هم الذين كانوا أكثر ديمقراطية وزهدا في الحكم من المدنيين، فبن جديد وضع إصلاحات ديمقراطية عميقة وليامين زروال هو أول من يحدد العهدات الرئاسية قبل أن يتراجع بوتفليقة عنها عام 2008.

لكن يبدو أن الإقبال الشعبي على جنازة بن جديد والتعاطف الذي أكتسبه كان يجب أن تقرأه السلطة في الجزائر قراءة صحيحة، وأن معنى ذلك كله هو رغبة شعبية بإصلاحات ديمقراطية عميقة، كالتي قام بها بن جديد مع الإخذ بعين الإعتبار طبعا بعض المطبات التي وقعت فيها وتصحيحها لكي تنتقل الجزائر نهائيا إلى نظام ديمقراطي حقيقي .

لكن مايؤسف له لم تعرف السلطة قراءة ذلك جيدا، فتمادت في عدم المبادرة الفعلية في إدخال إصلاحات جذرية داخل النظام لتجنيب الجزائر مطبات ما وقع في بلدان عديدة في منطقتنا، بل بالعكس، فالإصلاحات التي أعلن عنها الرئيس بوتفليقة في خضم تلك الأحداثـ، تم التراجع عنها مباشرة بعد ماخشي الجزائريون أن يقع لبلدهم ماوقع في هذه البلدان، فجمد النظام مرة أخرى تلك الإصلاحات، وذهب أبعد من ذلك، فوضع مايروج لها أنها إصلاحات ودخول في الدولة المدنية، لكنها كلها في الحقيقة شعارات مزيفة لخدمة الأوليغارشية المالية في الجزائر.

وفي ظل هذه الظروف جاءت وفاة الرمز التاريخي حسين آيت أحمد، ليرسل الجزائريون رسالة قوية للنظام يجب عليه قراءتها قراءة صحيحة وأخذها بغين الإعتبار، فقد وقف الجزائريون بكل أطيافهم إلى جانب هذا الرمز التاريخي الكبير الذي ظلمه النظام منذ1962، وكأنه يقول للسلطة أن المرحوم آيت أحمد كان محقا في طروحاته، وهو المجسد الفعلي لقيم الثورة ومبادئها المتمثلة في الدولة الديمقراطية والإجتماعية، وكأن هذه الوقفة الشعبية هي إدانة لهذا النظام الذي جثم على صدور الجزائريين منذ1962، وماجنازته الشعبية إلا رسالة بأن إذا لم تقم  السلطة بإصلاحات حقيقية  تجسد فعلا ماكان يدعو إليه الدا الحسين الذي قال عنه مهري أن التنظيم الذي كان يترأسه هو الوريث الحقيقي لقيم ثورة نوفمبر، وليس حزب الآفالان الحاكم اليوم، والذي يستغل إسمه فقط كرأسمال رمزي فقط.

فهل أدرك النظام أن الشعب من خلال آيت أحمد، يوجه له إنذارا أخيرا للمبادرة للقيام بإصلاحات ديمقراطية حقيقية،  وليست تجميلية كما يحدث اليوم.

إن وفاة آيت أحمد دفعت الشعب لإكتشاف رجال من طراز آخر وذو قامات كبرى، وأصبح يقارنها باللذين حكموا الجزائرمنذ1962، وأنهم  لاوزن لهم في الوطنية والقيم الديمقراطية أمام رجال عظام، صنعوا أمجاد هذا الوطن، وتم تهميشهم من الذين قادوا الثورة المضادة في 1962.

ويبدو أن جنازة آيت أحمد ولما يمثله من قيم ومباديء ستكون لها تأثير كبير على مستقبل الجزائر، وستدفع الجزائريون لعقد مقارنات عديدة مؤثرة جدا على الوعي الجمعي للجزائريين، ولولا بعض المكاسب في الحريات بعد 05أكتوبر1988، والذي يعمل الكثير للتراجع عنها لوقع لآيت أحمد نفس ما وقع لرموز كبرى في تاريخنا، خاصة إذا لجأ الشعب إلى عقد مقارنات، فمثلا الكثير لا يعلمون أن هذه المقارنات الشعبية هي التي كانت وراء رفض النظام في عهد بومدين دفن جثماني البطلين الشهيدين عميروش وسي الحواس، وفضل إخفائهما في مخزن للأرشيف إلا لكي لاتثير جنازتهما المواجع، وتدفع للتساؤل والمقارنة بين حكام الجزائر آنذاك وبين هذين الشهيدين العظيمين اللذان أستشهدا في معركة مع الجيش الإستعماري، وبقوا في أرض الوطن يواجهون الجيش الإستعماري يوميا، ولم يكونوا رابضين فيما وراء الحدود، فقد كان إصرارالشهيد عبان رمضان على إدخال كل العسكريين الرابضين وراء الحدود إلى أرض الجزائر أحد أسباب تصفيته، وكان معروفا بمقولته الشهيرة ” أن الثورة هي في جبال الجزائر، وليس في قصور تونس والمغرب”.

لكن اليوم الحمد الله فمن مكاسب 05أكتوبر هو إعادة الإعتبار لعظمائنا رغم أنف الذين قادوا الثورة المضادة في1962، ولهذا يعمل هؤلاء من أجل التراجع عن هذه المكاسب في الحريات، ولولاها لما سمع أحد بوفاة آيت أحمد، بل يمكن أن تخصص له ثلاث أسطر في جريدة حكومية، كما وقع لكريم بلقاسم ومحمد خيدر ومصالي الحاج الذي رفض بومدين دفنه في الجزائر إلا بعد ضغوط شعبية، وسمح أن تقام له جنازة ليلا في مسقط رأسه بتلمسان، ونفس الأمر مشابها تقريبا مع مفدي زكريا لدرجة أن لا يعلم الكثير اليوم أنه كان الرجل الثالث في حزب الشعب الجزائري في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، والذي حتى هو توفي في المنفى مثل كل الذين ذكرناهم آنفا، لكن لانغمط الناس حقهم فقد أستعاد بن جديد رفاة كل هؤلاء، وجاء بهم إلى مقبرة العالية بعد ما أكتشفت جثمان عميروش وسي الحواس مرمية في مخزن للدرك الوطني، فصاح بن جديد غاضبا بما فعل بهذين الشهيدين، فأعاد دفنهما إلى جانب كريم بلقاسم وشعباني ولعموري وعبان وغيرهم في يوم مهيب من أول نوفمبر1984، ورغم ذلك فلم يستح حزب الآفالان من إصدار بيانا أفسد علينا ذلك اليوم المهيب، ويقول فيه بأن إعادة دفن هؤلاء في مقبرة العالية يدل على تسامح النظام، فتبا لذلك، ولتسامحهم مع الذين همشوهم  وطمسوا تاريخهم المملوء بالأمجاد والتضحيات كي يأتي هؤلاء الإنتهازيون يستغلون تضحياتهم، ويستولوا على إرثهم التاريخي ليوصلوا الجزائر إلى ما وصلت إليه اليوم، فإن لم تستح فأفعل ماشئت.

 

البروفسور رابح لونيسي

متعلقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى